موقع يعطيك 3 اورو كهدية تسجيل

الأحد، أغسطس 28، 2016

رواية جديدة للإعلامي المهدي خليفة بعنوان التائهة



رواية جديدة للإعلامي المهدي خليفة سأنشرها على حلقات على مدونتي وهي بعنوان (التائهة)
وصل فريد الى المدينة قادما من مزرعة ابيه بريف الشمال..لبى دعوة ابنة عمه التي تعمل طبيبة بمصحة خاصة ..مازالت عزباء وما زال الحنين يهزه اليها كلما تحدث عنها ابوه او احد افراد العائلة ..لم تمح الايام صورتها من ذهنه ..طفلة في الثانية عشر من عمرها طويلة القد ممشوقة القوام طويلة الشعر كانت في اغلب الاحيان تسدله ظفيرة على ظهرها واحيانا تهز جانبا منه ليحتل وسط صدرها الصغير ..اذا مرت بين الحقول تسحر ابتسامتها ورود الريحان وشقائق النعمان .. ..ساحرة كانت في نظره وفي نظر كل من يعرفها من اطفال المدينة حتى الكبار كانوا يرمقونها بنظرات غيربريئة ..يتمنونها في السر والعلانية ولكن جانبا من الحياء والحشمة كان يكبح جماح عواطفهم الجياشة هي اليوم فتاة جميلة ..واسعة العينين ..دقيقة الانف .. قرمزية الشفاه .طويلة الرقبة ..بيضاء البشرة ..مكتنزة الصدر ..ابرزت ملابس المدينة مفاتن جسدها الممشوق ..لم تعد تبالي بالريف و لا بقوانين العيش فيه ..هي اليوم فتاة متحررة تقود سيارة فارهة ..تخالط الرجال في العمل وخارجه وتدمن تدخين السجائر ..كثيرة السهر اذا ما هزها الشوق والحنين لاحد تحبه تدعوه لزيارتها في شقتها المنتصبة وسط حي فاخر ..يسكنه اعيان المدينة .وكان فريد احد الذين تريد رؤيتهم حدق في المسافيرن وهو ينزل من عربة القطار حركة كبيرة لم يتعود عليها في ريفهم الساكن ..امسك حقيبته بقوة وكانه يتذكر كلمات والدته توصيه بالحذر من المدينة ومن اهلها .. اخرج الهاتف ليكلم ابنة عمه ليعلمها بوصوله لكنه عدل عن ذلك وقرر ان يتوجه مباشرة الى المنزل ليفاجئها بحضوره كان الليل قد ارخى سدوله على الكون وبدات الحركة تهدا في الشوارع ..ضجيج السيارات فقط يقطع الصمت المريب في الطريق الذي يسلكه ..اخرج من جيبه ورقة صغيرة فيها العنوان ..فجاة توقف وقال - هذا هو المنزل بناية ضخمة تفتح على شارعين واسعين ..سور قصير تحيط به اشجار الزينة .. وسيارة من نوع مرسيدس امام بابها الرئيسي ..كانت انوار خافتة تنبعث منه وتناهت الى سمعه ضحكات متقطعة ..فكر في العودة في الانصراف ..في عدم احراجها في ذلك الوقت ..ولكن الى اين فالمدينة مقفرة والمحلات اغلقت ابوابها الا الحانة التي مر بها منذ حين ما زالت تحتضن بعض الزبائن ..تراجع خطوات الى الخلف وبقي يفكركيف سيتصرف وكيف سيعلم ابنة عمه بوصوله ولم يقطع تفكيره سوى ازيز الباب الحديدي الخارجي يفتح ببطء ..رجل في الخمسين من العمر بدين بدا عليه الشيب او هكذا خيل اليه في تلك الظلمة .. يخرج في صمت وكانه لا يريد ان يراه احد ... انصرفت السيارة وغابت في وحشة الليل ...خطا فريد نحو الباب خطوات مضطربة ..قد يكون غير مرغوب فيه في تلك الليلة ..رفع يده ببطء ووضع إصبعه على الجرس..دقه و لم يسمع صداه وإنما سمع وقع خطوات قادمة إليه على عجل ..ما شاء الله يمينة ابنة عمه بشحمها ولحمها تفتح الباب ولكن..هذه ليست يمينة التي يعرفها ..كانت ترتدي لباسا شفافا بالكاد يستر عورتها.... تمسك أطرافه بيدها اليسرى حتى لا تتعرى . رائحة الدخان تنبعث من فمها ..تطوق المكان ..تخنقه.. استقبلته بالأحضان قبلته .. لم تكن تفعل معه ذلك سابقا في المرات القليلة التي كانا يلتقيان فيها ..أمسكته من يده وسارت به تسلم وتثني على خصال وحيد والديه..سألته عن أمه ووالده ..سألته عن الجيران ..سالمة بنت الشيخ مبروك زميلتها في الدراسة وحمادي ابن الممرض جبران صديق العائلة وغيرهما سألته عن الأهل والأقارب ... لم يكترث لكلامها وسرت قشعريرة في جسمه تمنى لو أن يدها تطبق على يده كامل الليل..انه يحبها و لا يستطيع أن يبوح لها بمشاعره قد ترفضه و تجرحه ..هي طبيبة شابة جميلة تفتحت على حياة مغايرة وعالم آخر غير عالمه ..وهو فلاح بقي كما هو متمسكا بأصالته معتزا بأرضه وبجذوره يسعد لنزول المطر ويطرب لصوت المسحاة تهوى على الأرض ..يخصص جانبا كبيرا من وقته يأمر وينهى ..ولكنه لم يتكبر يوما يجلس إلى العمال يتناول معهم ما يرد في قفافهم الصغيرة يشرب من كؤوسهم ..يضحك ..هكذا اليوم يقضيه بين المزرعة وبين البيت في " حوشهم " الكبير مع أمه ووالده العجوز الذي سلمه كل المقاليد دخل فريد قاعة الجلوس كانت غير مرتبة ..بقايا الأكل في صحون متفرقة على مائدة مستديرة...تلفاز كبير ينبعث منه صوت ضعيف... بقايا السجائر تناثرت هنا وهناك فوق المائدة.. أحس بالعطش ....تناول الكأس ليشرب ...وجد عليه بقايا احمر الشفاه .. شرب ولكنه لم يرتو عرضت عليه أن يأكل فرفض..هو لا يشعر بالجوع بقدر ما يشعر بالحاجة إلى النوم.... أدخلته غرفة الضيوف وقبل أن تخرج قالت : تصبح على خير .. غدا بعد العمل نلتقي سأعرفك على أصدقائي وستقضي معهم وقتا ممتعا نعم غدا نلتقي تصبحين على خير... ارتمى فريد على السرير شارد الذهن.. أهذه يمينة ابنة عمي ..؟ لا لقد تغيرت كثيرا .. تسلل نور الشمس من نافذة الغرفة ..تمطط ..تثاءب فتح عينيه .. لم يقو على النهوض ..كان متعبا جدا ..لم يتعود النوم في غير فراشه .. فجأة سمع صوتا خارج الغرفة ..ابنة عمه تستعد للخروج وتوصي الخادمة بان لا تترك الضيف يدخل بقية الغرف..طلبت منها أن تحكم غلق الأبواب ..وقبل أن تغادر أضافت : ما نوصيكش ... نزع فريد ثياب النوم وارتدى سرواله الأزرق.. انه يعشق هذا اللون منذ الطفولة ..لا يتخيل نفسه يوما يلبس سروالا بلون مغاير ..لم يشأ أن يفاجئ الخادمة بوجوده ...غمغم ..سعل فكانت اسبق منه إلى باب الغرفة ..وقفت تنظر إليه مليا لم ترفع عنه عينيها ..جالت في جسده ..احمر وجهه خجلا ..طاطا رأسه سألته : ستبقى في ضيافتنا كثيرا ؟ لم يرد وغادر الغرفة مسرعا... لم يشأ أن يتجاذب معها أطراف الحديث ..لم يتعود البقاء في مكان مغلق مع امرأة غريبة .. ..كانت الخادمة لا تقل جمالا عن جمال سيدتها ابنة عمه يمينة .. كانت قصيرة ممتلئة الجسم .. مستديرة الوجه نحاسية البشرة واسعة الشدقين شعرها كالحرير ينسدل على كتفيها .. يخفي أذنيها الصغيرتين ..سألته إن كان يريد أن تحضر له فطور الصباح فاعلمها بأنه سيذهب إلى المقهى المجاور كان الصباح هادئا في شوارع المدينة ..قليل من المارة..ترجل إلى أن وصل مقهى " الأحباب " لا يعرف أحدا هناك انزوى في ركن ونادى : من فضلك ..كاس حليب لم يكن في المكان سوى الحاج علي صاحب المقهى والنادل محمود وبعض الزبائن .. انهمك كل واحد منهم في مطالعة جريدة ..لم ينتبهوا إليه .. محمود فقط استغرب من الطلب.. كاس حليب ؟ هذه أول مرة يطلب فيها حريف منه مثل هذا الطلب..تعود توزيع " الكرام " و "الكابوسان " و" النرجيلة " و" الديراكت " و " عصير الغلال ... أدرك من الوهلة الأولى أن الذي يجلس قبالته ضيف غريب عن المدينة ..وضع له الكأس وأضاف إليه كأسا آخر من الماء وقال : مرحبا بك في مدينتنا شكرا ..نعم هي مدينة جميلة جئت للعمل ؟ لا ..لا.. جئت لأقضي أياما في ضيافة ابنة عمي الدكتورة يمينة ..هي تسكن غير بعيد عن هنا آه يمينة .. ومن لا يعرفها ... قال محمود هذا الكلام واستدار بظهره ثم أطلق ضحكة قوية .. وغمغم بكلام غير مفهوم اطرق فريد رأسه حتى كاد يسقط بين يديه.. بقيت كلمات محمود ترن في أذنيه ..ما يدور حوله يوحي بان شيئا ما ليس على ما يرام ..لم يفكر طويلا نهض ليقوم بجولة في السوق ليمضي الوقت حتى تعود يمينة ..لا يريد أن يعود إلى البيت في غيابها في تلك الأثناء كانت الخادمة ترتب الغرف بما في ذلك غرفة الضيف ..فتحت حقيبة فريد..وجدت رسالة ملفوفة ..همت بقراءتها لكن صوت سمينة طالعها : مريم ؟ مازلت هنا ؟ نعم أنا قادمة وفريد أين هو ؟ خرج.. قد يعود بعد حين اخفت مريم الرسالة في صدرها وخرجت من الغرفة مهرولة.. جلست بجانبها بعض الوقت .. ثرثرت ثم غادرت المنزل ... مرت الساعات ثقيلة على فريد وهو يجول في شوارع المدينة ..لم يشعر بالغربة كما شعر بها في تلك اللحظات ..بدا له كل شيء غريبا ..الزمان ..المكان والأشخاص ..كان يفتح عينيه كل صباح على صياح الديكة وثغاء الخرفان ..ينهض ليجد والدته صالحة قد أحضرت له انبة من " المحمص " و كأسا من الشاي الأحمر قبل أن تنصرف لتطعم الشياه ..والده الحاج صالح كان يسبقه في الخروج من البيت يصلي ثم يجلس في ركن من " الحوش " يرقب حركة الغادين والرائحين من فلاحي القرية والعمال ..يحييهم .. " الله يعينكم " .. هو اليوم يفتقد كل شيء والدته ..والده ..الأغنام و العمال..أحس بالاختناق عاد مسرعا إلى المنزل ..وجد الباب الخارجي مفتوحا ..كذلك الباب الداخلي ..كانت يمينة في أبهى زينتها إنها في انتظاره جئت يا فريد ؟ نعم هل أعجبتك المدينة ؟ قمت بجولة في الشوارع القريبة من البيت ..المنازل ضخمة هنا من يكون أصحابها ؟ قهقهت يمينة لم تكن تنتظر منه هذا السؤال أعيان البلاد .. مسؤولون ورجال أعمال ..هيا جهز نفسك ساعزمك على غداء في احد المطاعم الفاخرة وسأعرفك على أصدقائي دخل فريد غرفته وقف أمام المرآة ..مرر أصابعه الطويلة على شعره الكثيف ثم أطبق على شاربيه الطويلين يرتبهما ويزيل ما علق بهما من غبار خفيف ...فتح حقيبته ..اخرج قارورة العطر التي كان والده قد اشتراها له من العطار الوحيد في ريفهم الجميل ..هم بالخروج من الغرفة وسرعان ما عاد أدراجه ...فتح الحقيبة ليأخذ الرسالة التي كتبها لابنة عمه ..سيقدمها لها في الوقت المناسب ..جالت يده يمنة ويسرة .. تساءل : " هل نسيتها ؟ لا ..لا ..وضعتها بنفسي قبل ان اخرج .." وبينما هو كذلك إذ بادرته يمينة : فريد أسرع لقد تأخرنا ..استوى فريد على الكرسي الأمامي بجانب الدكتورة يمينة وأطلق بصره من بلور النافذة يرقب الفضاءات الفسيحة والعمارات الشاهقة والمساحات الخضراء .. حركة كبيرة للسيارات والحافلات والدراجات ... " لا شيء هنا يشبه ريفنا الشمالي " قال ليمينة وقد أطلق تنهيدة عميقة نعم المدينة مختلفة تماما .. تأكد ستعجبك وقد تفكر في بيع المزرعة والاستقرار هنا زم شفتيه ثم ضحك ضحكة خفيفة وقال بصوت بالكاد يسمع لا اعتقد ذلك ... أرست يمينة سيارتها في المأوى ..تقدمت بعض الخطى عنه وكأنها تريد أن تفسح المجال أمامه ..دخلت المطعم ودخل وراءها .. كان صوت أم كلثوم ينبعث من الأرجاء يطرب السامعين..يعيدهم إلى زمن الفن الجميل زمن الكلمة المعبرة واللحن الشجي بالقرب من نافذة كبيرة أسدل عليها ستار ابيض جلس رجلان وامرأة ..تجاوزوا الخمسين من العمر..كانوا يدخنون بشراهة ويشربون .. مرحبا أقدم لكم فريد ابن عمي هو صاحب مزرعة كبيرة في ريفنا الشمالي ثم التفتت إلى فريد وأردفت : رمزي دكتور يعمل معي في المصحة .. الصادق مسؤول في وزارة التربية .. ليلى صاحبة قاعة كبيرة للحلاقة والتمسيد جلس فريد في طرف الطاولة وقد تقطب جبينه..لم يشعر بالراحة بينهم... انقبض صدره وضاق خاطره وسرح خياله ...تركهم يتحدثون ...يدخنون..يعانقون الكؤوس يتهامسون..حتى الطعام عبثت به يداه كما يعبث الطفل الصغير بصحنه .. ما كان عليه أن يرافقها إلى هذا المكان ؟ همست ليلى في أذن صديقتها ابن عمك في حاجة إلى لمسات تبرز جماله القروي .. سأهتم بأمره طوال هذا الأسبوع إن رغب في ذلك .. سأعرض عليه الموضوع انطلقت السيارة تطوي الأرض طيا وقبل الوصول إلى البيت قالت له يمينة ليلى تملك محلا كبيرا للحلاقة والتمسيد .. عدد كبير من أعيان المدينة يقصدونه..إن أردت أرافقك غدا إلى هناك لم ينبس ببنت شفة لعله يريد أن يأخذ وقته في التفكير دخلت يمينة غرفتها لتستريح قليلا فيما بقي فريد في قاعة الجلوس يفكر . هل يحزم حقيبته ويغادر المدينة ليرتمي في أحضان الطبيعة من جديد ..ليهنا بالعيش بين والديه في حوشهم حيث الهدوء والسكينة ..؟ ماذا سيقول عن ابنة عمه لو سألوه .وفجأة صاح ...آه الرسالة ؟ يجب أن ابحث عنها...طرق باب البيت طرقا اهتز له قلب فريد اهتزازا عنيفا رجل طويل القامة عريض الكتفين مفتول العضلات .كبير الأنف واسع العينين مقترن الحاجبين .وقف على عتبة الباب والشرر يتطاير من عينيه... انه جابر زوج الخادمة مريم يساْل بحدة ؟ أنت ابن عم الدكتورة يمينة ؟ اوماْ فريد برأسه..وقال .. أي نعم .. كانت هذه آخر كلمتين نطق بهما قبل أن يسدد له الرجل طعنة بسكين على مستوى البطن..أطلق صيحة واحدة و سقط على الأرض مغشيا عليه يتخبط في دمه تفطن الرجل عند رجوعه عصرا من العمل إلى الرسالة التي كانت زوجته مريم تخفيها في ثيابها ... أفتكها منها و قراها..تغيرت تقاسيم وجهه ..امتعض ..هاله ما احتوته من عبارات الحب و الهيام ..تفاصيل كثيرة تضمنتها.. قرأ السطوروما بينها .أحس بالاهانة .. ساْل عن صاحب الرسالة فأخبرته فريد ابن عم الدكتورة يمينة التي اعمل عندها .. حاولت أن تشرح له الأمر ..لم يمهلها و لم يتمالك نفسه و انقض عليها يضرب ويلكم ..لم ينفع صياح الأبناء ولم يحل بكاؤهم دون مواصلة الاعتداء عليها .دخل في حالة غير عادية .. حالة من الهستيريا..كان يردد وبصوت عال .. خائنة .. خائنة .. لقد انكشف أمرك .. بكت مريم وتوسلت إليه ... ارتمت على الأرض تقبل قدميه ..اختلطت دموعها بالدماء السائلة من فمها ..لكن دون جدوى .. ترك جابر زوجته طريحة الأرض ودخل المطبخ وسرعان ما خرج منه متسلحا بسكين..علا الصياح والصراخ لا .. لا .. يا جابر ..لا تفعل ..أرجوك .. الرجل بريء ..اسمعني كان فريد ملقى على ظهره وقد غارت عيناه واصفر وجهه وسكنت حركته..فقط صدره بقي يعلو ويهبط ببطء شديد ..يشده إلى هذه الحياة ..حذوه جلست يمينة على الأرض وقد أمسكت بيده تجس نبضه .. حلت سيارة الإسعاف ونزل منها ممرضان سرعان ما بادرتهما قائلة انه لا يزال يتنفس ..هو في حالة خطيرة ..هيا أسرعا ..ليس هناك وقت نضيعه غادرت سيارة الإسعاف المكان مدوية ..بينما استقلت يمينة سيارتها والتحقت بها على عجل...دلفت يمينة إلى المصحة وهي تمسك بحقيبتها السوداء الكبيرة ..كانت تحث الخطى وقد بدت مرتبكة إلى ابعد الحدود ..في البهو طالعها وجه زميلها رمزي ماذا هناك ؟ ماذا حصل ؟ ردت وهي تلوح برأسها وترفع خصلة من الشعر قد تدلت لتغطي جانبا من عينها اليسرى لا ادري ..كل ما اعلمه ان المعتدي هو زوج مريم ..المرأة التي تعمل عندي ..بالتأكيد تعرفها .. نعم اعرفها ولكن مالذي جعله يقدم على هذه الفعلة الشنيعة ؟ أرجوك رمزي نؤجل الحديث في هذا الموضوع إلى ما بعد .. أين هو الآن قل لي ؟؟ في غرفة الإنعاش ..في انتظار أن تجهز غرفة العمليات ..حالته خطيرة اعلم ذلك ..رمزي لا استطيع أن احضر العملية سأبقى في مكتبي ..أرجوك أعلمني بكل ما يحدث حسنا .. اهدئي .. دخلت يمينة مكتبها وتهاوت على الكرسي..بحثت عن قارورة الماء التي كانت تضعها في أسفل الدرج ....لم تجدها .. ماذا حدث بين فريد ومريم يوم تركتهما بمفردهما في البيت ذلك الصباح .. ؟ لا هذا مستحيل .. استبعدت كل الاحتمالات .. فريد لا يمكن أن يصدر منه ما يخدش الحياء فتحت باب مكتبها ونادت احد الحراس ليشتري لها قارورة ماء وعلبة سجائر ...بقيت تذرع البهو جيئة وذهابا .. هذه مريم تلتحق بيمينة في المصحة ..تسمرت في مكانها بمجرد أن رأتها اخبريني كيف حال ابن عمك ؟ بين الحياة والموت ..هل تدرين من المعتدي ؟ زوجي سامحه الله .. ولأجل ذلك جئت ..لن أغادر المصحة حتى اطمئن على صحة فريد .. اخبريني ..هل اخطأ فريد في حقك ؟ لا.. لا .. أبدا إذا ماذا جرى ؟ مدت مريم يدها وفتحت كفها تسلم يمينة الرسالة التي كتبها لها ابن عمها . .تفضلي هذه الرسالة لك ..اقرئيها وستعرفين كل شيء .. ( ماذا كتب فريد في الرسالة ؟ .. ماذا سيكون رد فعل يمينة ؟ .. هل سيجتاز فريد مرحلة الخطر أم أن الكاتب سيضع له نهاية في هذه الرواية .. ؟تسلمت يمينة الرسالة بيد مرتعشة أحكمت قبضتها عليها وجلست على مقعد في قاعة الاستقبال نظرت حولها ..وجهت بصرها نحو مريم ثم قرات عزيزتي حياتي ..اكتب إليك كلماتي لأعبر لك عن مدى شوقي إليك ... طال ليلي ..زاد سهادي ...يا ساكنة العقل والفؤاد ... صورتك منقوشة في ذاكرتي محفوظة .. ساكنة في خيالي .. أنت الضوء الذي ينير دربي.. أنت الشهد في فمي وأنت الزهر في بستاني هل تذكرين عزيزتي كم لهونا ..كم جرينا ..كم قفزنا ..كم تعبنا .كم تناجينا كم تخاصمنا ..؟ هل تذكرين كلماتي ..همساتي .. قبلاتي البريئة ..لمساتي .. آه... لو تدرين كم احبك... كم أهواك .. عرضوا علي الزواج من كل البنات..رفضت .. لا أتخيل نفسي أعيش بعيدا عنك .. ولا أرضى لغيرك أن تكون شريكا لحياتي ... احبك منذ عرفتك .. وسأبقى احبك حتى مماتي غاليتي ..ها انذا أناديك .. هل تسمعين ندائي... كم قبلة أرسلت إليك .. كم وردة أهديتك ..كم لحنا عزفت لك بأوتار قلبي الدافئ آه لو تدرين كم احبك .. كم أهواك .. مذ كلمتني يا حبيبتي .. حزمت حقيبتي . جئت أبثك أشواقي ..أجدد معك العهد فهل مازلت على العهد يا حياتي ..؟؟؟ لم تتمالك يمينة نفسها وهي تقرا الرسالة ..انهمر الدمع من عينيها وسال على خديها الحمراوين .. عادت بها الذكريات إلى أيام الصبا ..في ريفهم الجميل قبل أن تلتحق بكلية الطب .. فهمت الحكاية نهضت من كرسيها وانطلقت تجري في المصحة تبحث عن الدكتور رمزي وجدته يستعد للدخول إلى غرفة العمليات أمسكت بتلابيب مئزره الأخضر وصاحت أرجوك .. افعل المستحيل .. لا أريده أن يموت ..خيم صمت رهيب على المصحة ..يمينة تذرع القاعة جيئة وذهابا ترفع الستار عن نافذة قريبة .. تحملق في الأفق البعيد .تطلق بين الفينة والأخرى تنهيدة قوية صادرة من الأعماق.. .كانت تسترق النظر إلى ساعتها اليدوية الثمينة التي أهداها لها رجل أعمال لما كانت تدرس في الجامعة .. مرت الدقائق طويلة...ثقيلة ..كأنها دهر..أحست بان لها رغبة في مهاتفة أفراد عائلتها لإعلامهم بالحادثة.. لكن ...ماذا ستقول ؟ اقتربت مريم من يمينة وقالت بصوت خافت : أنا آسفة ..أنا السبب ...ما كان ليحصل كل هذا لو تركت الرسالة في مكانها لا عليك.. هذا قدر ومكتوب صدقيني ..فريد شاب لطيف ..لقد فضل يومها مغادرة البيت على أن نبقى وحيدين نعم ..هكذا هو فريد .. مسكين.. توقفت سيارة أمام المصحة ونزل منها شرطيان توجه احدهما مباشرة إلى يمينة وسألها تعرفين الضحية ؟ نعم ابن عمي .. فريد كيف حاله الآن ؟ في غرفة العمليات ماذا حدث بالضبط ؟ ..هلا أخبرتنا بذلك .. اقتربت يمينة من الشرطي وسارت به إلى ركن قريب من مكتبها ..ظلت تحدثه عن تفاصيل الواقعة .تشير بيديها تارة و تتوقف لتسترد أنفاسها تارة أخرى أنهى الشرطي حديثه والتفت إلى مريم وخاطبها سائلا ؟ أين زوجك ؟ لا اعرف الم يعد للبيت ؟ كلا هل تعرفين أين يمكن أن نجده سكتت برهة ثم أجابت ربما في مقهى الأحباب..النادل صديقه ...هو ابن قريته وكثيرا ما يتردد عليه هناك .. حسنا لو عاد إلى البيت اخبريني..هذه بطاقتي عليها رقم هاتفي انصرف الشرطي بعد أن وعد يمينة بالعودة لمتابعة الموضوع ..لأخذ أقوال فريد .. وعدها أيضا بالقبض على جابر وتقديمه إلى العدالة حتى ينال جزاءه ..بقيت يمينة في مكانها ..لا تقدر على الحركة .. داخل غرفة العمليات كان الدكتور رمزي منهمكا في إنقاذ حياة مريضه..كان محاطا بعدد من الممرضين احد المساعدين كان يمسك بمنديل ابيض صغير يمرره من حين إلى آخر على جبين الدكتور المتصبب عرفا .. الجرح غائر ..والجسم لا يزال ينزف.. لم تستطع يمينة البقاء خارج الغرفة ..لم يهنا لها بال ..تحبذ أن تكون إلى جانب قريبها في تلك اللحظات..همت بفتح الباب .. فجأة خرج احد الممرضين مسرعا..مرتبكا دكتورة يمينة أسرعي .. الحالة خطيرة جدا ماذا يجري ؟ فريد بخير؟؟ لا .. ليس بخير.. توقف قلبه فجأة ...نهارت يمينة باكية وانسابت مع الحائط لتسقط على الأرض مرددة .." مستحيل .. مستحيل .. " نزلت عليها كلمات الممرض نزول الصاعقة..ارتعشت أوصالها .. جف الريق في حلقها ..أسرعت إليها مريم تسقيها كأسا من الماء .تخفف من وقع الصدمة عليها..ساعدتها على الوقوف ...رافقتها إلى مكتبها .. جلست يمينة .. غطت وجهها بكفيها..لم تسال .. لم تحاول أن تعرف ماذا حدث في غرفة العمليات.. شُل تفكيرها .. فقدت كل رغبة في التواصل مع من حولها في المصحة.. هرول الأطباء نحو غرفة العمليات يستطلعون الأمر ..كان الدكتور رمزي يقوم بآخر محاولة لإعادة الروح إلى جسد فريد لإنعاشه وإعادة نبض الحياة إلى قلبه .. وضع يديه على صدر المريض وراح يضغط بشدة عدة مرات ..زوده بجرعات كبيرة من الأكسجين.. استنجد بجهاز الصدمات الكهربائية.. وجه له عدة ضربات قوية..اهتز جسد فريد " الحمد لله عادت إليه الحياة ... " قال هذا الكلام وهو لا يصدق ما حصل خرج الدكتور وتوجه مباشرة إلى مكتب يمينة لقد كتبت له حياة جديدة .. ماذا تقول ؟ هذه معجزة ... نعم لقد تجاوب معنا في آخر لحظة ..تملكني اليأس ..فكرت في تركه ... شكرا دكتور لن أنسى معروفك ما حييت دعيك من هذا الكلام ...هو الآن يرقد في غرفة العناية المركزة سيبقى تحت المراقبة المستمرة ..أمامنا أربعة وعشرون ساعة لنطمئن عليه حسنا .. هل يمكنني أن أراه ؟ طبعا ..طبعا .. هيا بنا .. دخلت يمينة غرفة العناية المركزة فريد ممدد على السرير .. لا يتحرك .. غيناه مغمضتان وشفتاه بدت عليهما زرقة خفيفة .. زفير خافت يصدر من انفه .. يخرج من بين الأنابيب الصغيرة الموصولة بجهاز التنفس ..غائب عن الوجود لا يشعر بمن حوله جلست يمينة على طرف السرير مسحت جبينه أمسكت يده .. داعبت أناملها الرقيقة بشرته الجافة ..نظرت إليه نظرة شفقة ..مسحت بيدها الأخرى دمعات ترقرقت من عينيها ..سرحت بخيالها .. ولم تصح إلى على صوت زميلها يناديها يمينة .. اسمعي نحتاج إلى كمية كبيرة من الدم أنا على ذمتك دكتور .. هذا لا يكفي ما العمل إذن ؟ لابد من الاستعانة بأفراد عائلته ..سيكون الأمر مهما جدا أفراد عائلته ؟ دهشت يمينة لكلام الدكتور رمزي ..نهضت مسرعة .. يجب أن أغادر إلى أين ؟ إلى البيت طبعا آه تذكرت .. ماذا هناك دكتور .. سهرة السبت ...؟؟؟ نتحدث لاحقا سأكلمك بالهاتف حسنا تصبحين على خير ..في ركن من مقهى الأحباب يخفيه عن عيون المارة وقريب من الباب الرئيسي جلس جابر منفردا على كرسي ....امسك النرجيلة بيسراه وكاس الشاي الأخضر بيمناه ..كان يترشفه بسرعة وكأنه على عجلة من أمره جلس إلى جانبه النادل محمود ..صديق الدراسة أراك على غير عادتك ؟ لاشي تخاصمت مع مريم ؟ سكت جابر ثم أجاب وهو يلقي ببصره في الخارج وكأنه ينتظر أحدا ما حصلت مصيبة .. .مصيبة ؟ اخبرني.كيف ؟ وأين ؟ ضربت شابا نزل ضيفا على ابنة عمه بسكين .. هل تعرفه ؟ لا .. هل مات لا ادري .. ولماذا فعلت ذلك كتب رسالة حب وغرام لزوجتي .. وجدتها لديها ..يبدو انه على علاقة بها أيكون ذاك الشاب الغريب الذي جاء إلى المقهى صباحا ..؟ لم يجبه جابر وكأنه يريد أن يختصر معه الحديث .. اسمع أريد أن أبقى أياما في بيتك ...حتى أتدبر أمري ...ما رأيك ؟ البيت بيتك ولكن .. ماذا ؟ مريم وأبناؤك ؟؟؟ لا تقلق.. سأحاول زيارتهم ليلا ..المهم الآن أن اختفي عن أنظار " البوليس " أكيد يبحثون عني في كل مكان لم يكد جابر ينهي كلامه حتى برزت من بعيد سيارة الشرطة..لقد عرج سائقها على المقهي أثناء عودته من المصحة ترك جابر نرجيلته وكاس الشاي وأطلق ساقيه للريح ..لا يلوي على شيء ...غاب في لحظات عن الأنظار .. وضعت يمينة المفتاح في قفل الباب إدارته يصعوبة وكأنها تفتحه لأول مرة كانت متعبة جدا مثقلة الخطى ..ألقت حقيبتها على أريكة قريبة منها وتوجهت مباشرة إلى المطبخ فتحت الثلاجة وأخرجت قارورة من الجعة أفرغتها في كاس بلوري كبير عادت بها إلى قاعة الجلوس أشعلت سيجارة وشرعت تشرب ..تريد أن تنسى ما حل بها اليوم من مصائب..يوم واحد مر على مجيء ابن عمها كاد يفارق فيه الحياة ..قبل ذلك وضعت شريطا غنائيا لعبد الحليم حافظ فجاء صوته مرددا سواح وماشي في البلاد سواح والخطوة بيني وبين حبيبي براح مشوار بعيد وأنا فيه غريب والليل يقرب والنهار رواح يا عيوني آه يا عيوني إيه جرالك فين أنت و بتعمل إيه.. يا ظنوني... آه يا ظنوني ما تسيبوني مش ناقص أنا حيرة عليه لا أنا عارف أرتاح وأنا تايه سواح ..... تحاملت على نفسها بعد أن انتشت قليلا دخلت غرفتها وارتمت على السرير لتفيق من الغد على صوت مريم... يمينة .. يمينة .. انهضي .. العاشرة صباحا نهضت يمينة مذعورة وقد استعادت قليلا من رشدها يجب أن أتصرف وليحدث ما يحدث.....هناك في أحضان الطبيعة وبالقرب من هضاب الشمال برز الريف بجماله الخلاب وبساطة تصميمه وكرم أهله .ضيعات مترامية الأطراف ممتدة على مساحات متفاوتة ..متفرقة تتوسطها بنايات متواضعة ولو أن بعضها صار يضاهي ما هو موجود في كبريات المدن ...الناس هناك عائلة واحدة.. في وسط الريف وداخل ضيعة صغيرة استقرت عائلة الدكتورة يمينة والدها الحاج محمد معلم والدتها منجية وشقيقها الأكبر جبران وشقيقتاها الصغيرتان سلمى وفاطمة بجوار هذه الضيعة استقرت عائلة فريد .. كان جبران في ضيعة عمه يسهر على تفقد المزروعات .. رن جرس هاتفه الجوال نظر في الشاشة تفحصها .. إنها يمينة .. الو مرحبا ..يمينة ؟ كيف حالك ؟ أهلا جبران كيف حالك وكيف حال أفراد العائلة ؟ بخير والحمد لله وأنت ؟ اشكر الله واحمده كانت يمينة على الخط الآخر تتكلم وتتنهد في نفس الوقت ..كاد صوتها يغيب في الفضاء الرحب يمينة هل تشكين من شيء؟؟؟ تمتمت وردت بصوت متقطع لا ..لا .. فر..يد ..أريدك أن ..تح.. ضر ..عمي وزوجته ماذا يحدث معك يا يمينة لم افهم شيئا ..فريد ..هل أصابه مكروه نعم ردت بصوت مرتفع وقد بدا عليها التشنج ثم استرسلت في الحديث تعرض فريد إلى حادث وهو يرقد الآن في المصحة التي اعمل بها ..هو في حالة خطيرة ونحتاج إلى كمية من الدم .. احضر أبي وعمي وزوجته ..غدا ..مفهوم ..؟ مفهوم ....حسنا أغلق جبران هاتفه وهو يقول مفهوم .. ماذا .. ؟ والله لم افهم شيئا ..فريد ترجل جبران أمتارا قليلة توقف فجأة كيف سأخبر عمي ؟ ماذا سأقول له ؟ لن يتحمل .. فريد أمله الوحيد في هذه الحياة ..با الاهي .. ما هذا الموقف ؟؟؟ ..لا لا سأخبر زوجته ربما هذا أفضل واصل جبران طريقه وهو يهذي كمن فقد عقله ..بلغ منزل عمه .. كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحا ..عمه الحاج صالح جالس على حصير كبير وضعت عليه زربية قيروانية و قد اسند ظهره إلى الحائط السلام عليكم .. وعليكم السلام .. مرحبا جبران ..تعالى.. اجلس لا عمي ..ينتظرني عمل كثير في الضيعة ..غدا سأذهب إلى المدينة ..إلى يمينة ..سيرافقني أبي ..أنت وصالحة أيضا ماذا هناك .. ؟ يمينة بخير ؟ فريد تعرض إلى حادث لم يحتمل الحاج صالح الخبر مال بجسمه الضخم مع الحائط صالحة .. صالحة .. أسرعي .. عمي أغمي عليه .. خرجت صالحة من المطبخ وكانت تعد غداء الحاج صالح...غداء عادة ما يشتهيه ويطلبه بنفسه برغم توصيات الأطباء ..لقد حذروه من تناول الأملاح....كان يلقي بتحذيراتهم عرض الحائط كان في كل مرة يقول : " ماذا بقي من عمري حتى احرم نفسي ؟ " كسكسي بالقديد والفول والبصل والبطاطا والقرع والفلفل الأحمر المقلي في الزيت .. سكبت صالحة قليلا من ماء الزهر كانت قد أعدته في فصل الربيع في كفها. وضعته على رأس زوجها ..بللت وجهه.. قربت قطعة من البصل الحار إلى انفه سقته كأسا من محلول السكر..لحظات وفتح الحاج صالح عينيه ..تحركات شفتاه المرتعشتان يا لهول المصيبة.. اخبروني ماذا حدث لابني.فريد...؟ وانهمرت الدموع من عينيه مدرارا ..لا يزال يذكر فقط كيف قبله من جبينه وهو ممدد في فراشه يوم سافر إلى يمينة ..؟ سقطت قارورة الزهر من يد صالحة لم تكن تعلم شيئا عن الموضوع ..فاحت رائحة العطر في أرجاء الحوش الكبير ..أطلقت عقيرتها بالصياح ..لطمت وجهها ... لقد حذرتهُ من المدينة .. من أهلها .. لم أكن ارغبُ في سفره تاه جبران بين عمه وزوجته صالحة لم تنفع كلماته في التخفيف عنهما غدا صباحا نسافر.. اطمئنا ..أكيد فريد بخير مع نسمات الفجر نهض جبران ..وجد والده وعمه وصالحة في انتظاره ..لم يغمض لهم جفن ..حيرة وعذاب .. وهواجس عدة... هاتفت يمينة زميلها رمزي أعلمته بأنها لن تستطيع استضافة احد في بيتها ..أخوها قد يحل في أي وقت وهي لا تريد أن تعيش مشاكل أخرى تعودت يمينة أن تستقبل في نهاية كل أسبوع شخصيات عديدة في بيتها ..سهر وخمر ولهو وجنس طوال ساعات... يحتلون كل الغرف الموجودة ...كانوا يدفعون لها أموالا كثيرة مقابل المكان و الشراب الفاخر والأكل والمكسرات .. وصل جبران وتحول الجميع إلى المصحة ..وقفت صالحة أمام الحاجز البلوري في غرفة العناية المركزة ترمق من بعيد وحيدها فريد ..انفطر قلبها ألما .. انسابت دموعها كما تنساب مياه الجداول المتدفقة من العيون رفعت بصرها إلى السماء داعية غير بعيد عنها وقف الحاج صالح وشقيقه و جبران .. كانوا أكثر هدوءا من صالحة برغم الحزن البادي على وجوههم رافقت يمينة أفراد العائلة وأقاربها إلى قاعة التمريض ليتبرعوا بدمهم ثم انتقلت إلى مكتب زميلها رمزي ..بمجرد دخولها شعرت بالغثيان وضعت يدا على جبينها وارتمت على الكرسي يمينة..ما بك ؟ هل تشعرين بشيء ؟ لا ادري ..لست على ما يرام ابقي هنا لا تتحركي ... خرج الدكتور رمزي وسرعان ما عاد وفي يده إبرة طويلة وأنبوب صغير سأقيس..ضغطك ...سآخذ عينة من الدم لأجري بعض التحاليل ..يجب أن ترتاحي ...عادت يمينة إلى بيتها بعد أن تناولت بعض المسكنات .. تقلب مزاجها ..لم تعد تلك الفتاة الضاحكة المقبلة على الحياة.. أصر والدها على البقاء في المدينة إلى حين الاطمئنان على فريد ..لن يستطيعوا المغادرة.. لم تناقش ..لم تجادل ..لم تمانع..بدت قلقة متوترة في شقة صغيرة واقعة في الدور العلوي لعمارة منتصبة بأحد الأحياء الفاخرة جلس جابر إلى صديقه محمود لن استطيع الخروج إلى الشارع .. لماذا ؟ أحس أن عيونا ترقبني نعم لاحظت ذلك ..هنالك حركة غريبة في الحي اسمع أريدك أن تجد لي عملا ....لن أظل عالة عليك ماذا تقول ... ؟ ألح جابر في حديثه وطلب من محمود أن يجد له أي عمل ..يحتاج إلى النقود و لم يعد باستطاعته أن يزاول نشاطه المعتاد فكر محمود هل تذكر صابر ؟ ذلك الرجل الذي كان يأتيني إلى المقهى ... نعم تذكرت .. انه يتاجر في المخدرات..أليس كذلك ؟ اجل ..سأطلب منه أن يزودك بكمية صغيرة...بما يكفي لترويجه داخل البيت..لفائدة بعض الحرفاء من الشباب سيأتونك إلي حيث أنت... لن تضطر إلى الخروج.. ما رأيك ؟ وهل تراه يوافق ؟ بكل تأكيد... في المصحة لا يزال فريد يرقد بلا حراك.. تجاوز مرحلة الخطر ولكنه لم يفتح عينيه بعد..لم تتحسن حالته بالكيفية التي تجعل والديه يغادران المدينة كان الدكتور رمزي في مكتبه ..دخل عليه احد الممرضين يحمل نتيجة التحليل الذي كان أجراه ليمينة منذ أيام تسلم الورقة قراها ... لا ..لا .. ما هذا ؟ أكيد هناك خطا ...مصيبة كبرى .. يجب أن أعيد لها التحليل ثانية....تثاقلت الخطوات ..وانفتحت في الأفق أبواب غامضة ..مصير مجهول والانا بلا أمس ولا غد ..شعور بالإحباط ممزوج بالخيبة ..فراغ في الحديث ..في التفكير .. وانفلات في المشاعر .. الكلام لم يعد يجد نفعا والصمت صار خيرا يرتضيه لنفسه ..بلا عقل وبلا إحساس ..سار تائها يرتضي لنفسه موقعا بعيدا عن الحزن والألم .. أيام عصيبة ستمر عليه ..رياح عاتية ستعصف بأحلامه ... مستقبله ذوى قبل أوانه ..أوراقه ستحترق .. لهب شمعته سينطفئ في عز تأججه ..ما أقسى الحياة حين تفرض قرارها دون استشارة ..دون سابق إعلام .. أو تنبيه فكر الدكتور رمزي في يمينة ..في ردة فعلها لما تعلم أنها مريضة بالسرطان..لن يمهلها الموت كثيرا ... سترحل في ريعان شبابها ..لم تر من الحياة ما يسعد ..مرت بفترات عصيبة عرفت الحرمان مرات عديدة .. وقعت في الشرك لما وطئت قدمها رحاب الجامعة .. كانت بريئة في نظراتها .. في حركاتها .. غلب عليها الطبع البسيط ..لم تعرف التملق أو التزلف ..لم تفكر يوما في أن تبيع نفسها .أن تبيع أهلها و مبادئها... أن تدوس مكارم الأخلاق .. انبهرت بالأضواء الساطعة..أعجبها لغو المدينة ... قاومت واستبسلت في المقاومة لكنها انهارت واستسلمت لقدرها في لحظات ضعف..ألقت بنفسها إلى المجهول ..قد تكون اختارت مسلكا جديدا ..غير المسلك الذي كان يفترض أن تسير فيه .. أن تتبعه ..انخرطت في السائد المعروف .. ونسيت أن الأيام تقسو ..تحاسب قبل الرحيل .. وأي رحيل هذا الذي يأتي على عجل .. تعرف عليها في الجامعة..أسره جمالها ..أحبها .. كان يقتفي أثرها ..لم يفتح لها قلبه ..ولم تفتح له قلبها ..لم يخبرها بما يحس ..بما يشعر ..لم يقل لها يوما .. احبك ..نظراته فقط كانت تعبر .. تفصح عما يكنه لها من ود .. كانت تدرك انه يريدها إلى الأبد ..هي أيضا مالت إليه أحبته لكنها اخفت عنه مشاعرها فالحنين إلى الماضي يشدها ..لم تتخلص من الأسر بعد برغم كسر كل القيود فكر الدكتور رمزي طويلا واهتدى إلى أن الحل يكمن في المصارحة..يمينة فتاة مثقفة .. دكتورة .. سيطلعها على الأمر .. ستتقبله ...سيجري لها تحاليل أخرى ..سيرفع من معنوياتها سيبحث معها سبل العلاج .. لا شيء مستحيل.. الإرادة والعزيمة والإيمان أقوى سلاح .. جلست يمينة في شرفة بيتها .. مفكرة .. مطرقة.. حاصرتها الهموم ...أقضت مضجعها ...لم تكن لها رغبة في الحديث ..اختلت بنفسها تسترجع بعضا من ذكرياتها ... سرحت بخيالها ...بلغت مواطن أخرى غير موطنها ولم تفق من غفوتها إلا على صوت جرس البيت يرن...مرحبا رمزي تفضل ...لم لمْ تهاتفني ؟
لم اشا أن أزعجك ..
أين والدك ...؟ أين .بقية أفراد العائلة ...؟
اصطحبهم جبران في جولة صغيرة ..لن يتأخروا
ماذا تشرب ؟
قهوة ..ضعي فيها كثيرا من السكر
لم تتعود ذلك ...ماذا أصابك ؟
يريد رمزي أن ينسى مرارة الحقيقة ..بحلاوة مفتعلة ...يعتقد انه من السهل عليه أن ينسى....ما أقسى مرارة الحياة حين تلتهم تفاصيل الأحلام الصغيرة
في ذلك الوقت دخلت عليهما مريم ..
لقد أتيت في الوقت المناسب .. اعدي لنا كاسين من القهوة .. ...اه مريم ..هل سمعت شيئا عن جابر؟
لا أريد أن اسال.. لا أريد أن اعرف عنه شيئا ...
لم تكمل حديثها .. تبعثرت كلماتها في دياجير الظلام .. حروفها صارت بلا معنى
انخرط جابر في عالمه الجديد ..انقلب نهاره ليلا ..عشرات الشبان يزورنه يوميا يتزودون بالأقراص المخدرة ..تلاميذ من الطبقة الراقية .. شبان من الأحياء الشعبية عصفت بهم المشاكل وقادتهم أقدامهم إلى الحي الراقي ..يهروبون من الواقع.. ينشدون السعادة ..سعادة مزيفة تزيد في تعميق جراحهم ... ..ووهْم يعيشونه .. يبنون على أنقاضه أحلاما من الخيال ....
اخرج رمزي نتيجة التحليل... ألقى بالورقة على المائدة الصغيرة..انتصب واقفا
معذرة يمينة ...سأعود حالا....
ودلف بسرعة إلى غرفة الاستحمام واقفل الباب وراءه
لم يكن له من الشجاعة ما يكفي ليرى يمينة تمضي بأصابعها على أيامها المنتهية ..أن تؤشر على موعد رحيلها ....
امتدت يد أمينة إلى الورقة البيضاء...سارت بها خطوات قليلة نحو مرآة كبيرة تتوسط جدارا في قاعة الجلوس ....تفحصت الحروف والأرقام ...رفعت رأسها...تحسست وجهها ...نزلت بأناملها الرقيقة إلى صدرها ..إلى بطنها ....شاحبة الوجه بدت..كزهرة جفت أوراقها ..ضاع طيبها...ذبلت قبل الأوان ..أدركت ان لا مفر من النهاية ..أيام فقط مازالت من عمرها ... قصيرة وان طالت ستقضيها بلا طعم قبل الوداع الأخير ..
يا لهذا الجمال الفاني ..يا لعذابات الحياة ..حان وقت الرحيل ..سأودع أحلامي ..قصوري هوت بلا استئذان ..سفري بلا تذكرة ..بلا تأشيرة ..ومتى كان يؤشر على الرحيل ...
بدت يمينة مؤمنة بالقضاء والقدر ..ارتسمت على شفتيها ابتسامة مكلومة ..برغم الحزن العميق الساكن في داخلها ..
اقترب منها رمزي ...و دون وعي منها .. ..ارتمت في أحضانه وانفجرت باكية .. ضمها إلى صدره بقوة واختلطت دموعه بدموعها الحارقة...كفكفت يمينة دموعها وقالت بصوت حزين
هكذا هي الحياة ..لابد أن نرحل يوما ما ..لن اعترض على قدري ..فقط أفكر في ...
قاطعها رمزي :
لا تفكري في شيء... تسلحي بالإيمان واسعي إلى أن تكوني سعيدة ..
سعيدة ..؟؟؟
ضحكت يمينة ملء شدقيها ..سخرية القدر تقودها إلى السعادة ..إلى الفرحة .. ربما ؟
دخل جبران يحمل بين يديه أكياسا من الخضر والغلال واللحم..رحب بالدكتور ...
ستبقى لتتناول الغداء معنا
لا... شكرا ..لدي عمل كثير في المصحة ...هل نسيت فريد ؟
وهل يعقل هذا ؟
ما رأيك إذن لو أتيت معي لتطمئن عليه ..؟
حسنا ..هيا بنا
انتظرا أنا ... قادمة ..أكيد فريد يحتاجنا جميعا
لم يعد ليمينة ما تخسر... يجب أن تستغل كل لحظة من حياتها ..أن تعيشها بكل جوارحها . ان تخرج ..ان تعانق الحياة ..لا شيء مستحيل ..لا للياس ..لا مكان للحزن بعد اليوم
بداْ فريد يتعافى من إصابته ..استقرت حالته بعد أيام عاشها في غيبوبة مطلقة ..وعده رمزي بمغادرة المصحة بعد ثلاثة أيام ..ها هو يمشي في غرفته ..نظر فإذا يمينة وجبران والدكتور يقفون امامه
ماذا تحس الآن ؟
أفضل بكثير ..الحمد لله
دقق فريد النظر في يمينة .. في عينيها .. يريد أن يقرا شيئا ما ..
عاد إلى سريره وجلست يمينة إلى جواره بينما غادر الدكتور الغرفة والتحق بمكتبه رفقة جبران
ماذا تنوي أن تفعل ؟
سأعود إلى ريفنا الشمالي ..لا حياة لي في هذا المكان
ويمينة ؟
يبدو أنها لم تعد لي
تعرف أنها تحبك..
قالت ذلك وقد أشاحت بوجهها إلى ناحية النافذة المطلة على ساحة كبيرة..
نعم اعرف ولكن ..
يكفي الآن.. سنتحدث لاحقا
رن هاتف يمينة وكانت ليلى على الخط ... صديقتها صاحبة قاعة الحلاقة والتمسيد
أسرعي ..أرجوك ..أريدك حالا .. ابني مروان
ما به ؟ اخبريني ..
عاد به صديقه فجرا إلى البيت ...
تعود مروان أن يذهب كل ليلة مع صديقه عماد إلى منزل محمود يشتري من جابر بعض الأقراص المخدرة... يستهلك قرصا ...إذا لم يبلغ النشوة التي كان ينشدها ..يزيد الثاني والثالث ..كان بعتقد أن الأقراص تعوض الفراغ الذي يعيشه بعد أن ترك والده المنزل..نتيجة الخلافات المستمرة مع والدته .. .تزيل أحزانه .. تفتح له أبواب الأمل على مصراعيها..أوهام تراوده في اليقظة وأحلام ما تفتا أن تضمحل بمجرد ان يسطع نور الشمس
يجب أن ننقله حالا إلى المصحة
ماذا ؟
لا وقت نضيعه... انه في حالة خطيرة..
فحص رمزي الشاب فحصا دقيقا..امسك يمينة من يدها ثم قادها إلى مكتبه
اسمعي ..لن نستطيع فعل أي شيء
ماذا تقول ...؟
تلك هي الحقيقة ..
لا اصدق ...
ساعات فقط ويفارق الحياة ..تناول من الأقراص أكثر مما يتحمله جسمه النحيف
مسكينة ليلى .. ..قد لا تتحمل الصدمة ..
خرجت يمينة من المكتب ليقع بصرها على ليلى تجلس على كرسي بقاعة الانتظار ..كانت كمن يبحث عن قشة نجاة .. عن منقذ ..عن خبر يزيل حيرتها ....عن يقين يفتك بالشك الذي بداخلها مروان هو كل حياتها لم تبخل عليه يوما بالهدايا بالمال ..هو روحها وعقلها ..صحيح انها انشغلت عنه بالعمل ..باصدقائها ..ولكنها كانت تسخر له بعض الوقت لتدلله ..لترسم على شفتيه ابتسامة لطالما افتقدها...خيم حزن شديد على منزل السيدة ليلى ..ساد المكان صمت رهيب.. وجوه خاشعة توسطت قاعة الجلوس الكبرى... يمينة وزوجة عمها وبعض نساء الحي تلحفن السواد ..جلسن يترشفن كؤوس الشاي والقهوة ..كلمات متقطعة تصدر بين الحين والحين ..تعزي وتطلب الرحمة ..وشوشات بين النسوة ...همسات ضائعة طغى عليها صوت رخيم ...صوت المقرئ عبد الباسط عبد الصمد يتلو ما تيسر من آيات بينات من القران الكريم
في قاعة أخرى جلس جبران وفريد وبالقرب منهما جلس الدكتور رمزي وصديقه الصادق المسؤول في وزارة التربية ..كانا يتبادلان الحديث بصوت مرتفع ..يتذكران العلاقة المتوترة بين ليلى وزوجها المحامي ..
خرجت من الدنيا بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها ...
اجل ...خسرت كل شيء
ماذا عساها تفعل ؟ ..هل يعود إليها زوجها ؟
لا اعتقد ..
نصب أعوان الشرطة كمينا لجابر....تورط في قضية الاعتداء على فريد بسلاح ابيض ..وهو الان يروج المخدرات وربما يستهلكها ..قضية جديدة تنضاف الى ملفه ...وردت معلومات تفيد بتواجده في بيت النادل محمود ..يختفي هناك ....
لم تأخذ مسالة إيقافه وقتا طويلا ..
اقترب الصادق من الدكتور رمزي كثيرا ...كانه يريد ان يظل الحديث بينهما سرا ..
هل تعرف من هاتفني البارحة ..؟
من يكون ..؟
آمال ..عشيقتك ..عادت من السفر...
تعرف رمزي على آمال في آخر سنة له قبل التخرج .. كانت فتاة فاتنة ..ساحرة .. تعمل في مشربة الجامعة .. ربط معها علاقة ..كان يستضيفها في البيت الذي يقطنه على وجه الكراء .. أقامت معه مدة طويلة وأنجبت منه طفلا هو الآن في العاشرة من العمر بحسب السنوات التي مرت على الحادثة ...سلمته إلى امرأة عاقر .. ميسورة ..وعدت بتربيته ..
اتفق معها على كتمان السر ..باع نصيبه من منزل والديه ..وهبها مالا كثيرا مقابل الصمت .. طلب منها ان تسافر .. ان تغادر إلى حيث لا احد يمكن أن يصل إليها ..
كان رمزي يعمل على إعادة ترتيب بيته بعد سنوات من العمل .... يريد ان يبدأ صفحة جديدة ..لا احد يعلم بقصته سوى الصادق وهو من اصدقائه المقربين ...
وهب قلبه ليمينة ..أحبها وازداد تعلقه بها بعد ان علم بما أصابها ..لا يستطيع ان يتخلى عنها ..لا يسمح لنفسه ان يكون طرفا في عذاباتها الجديدة ..لن يجرحها ..لن يسيء إليها ..
اختلطت الأوراق في ذهن الدكتور وأظلمت الدنيا في عينيه ..تناهي إلى سمعه صوت غريب يهتف من الأعماق ..
ماذا لو علمت يمينة ..؟
دخل فريد غرفته واستلقى على الفراش يسترد أنفاسه مازال لم يستعد عافيته ..جبران غادر المدينة وفريد سيبقى أياما أخرى لإجراء بعض التحاليل والخضوع إلى مراقبة دورية يجب أن يراه الدكتور رمزي قبل أن يتركه يعانق الطبيعة من جديد
أدرك فريد أن يمينة أصبحت تقبل على حياة جديدة باندفاع كبير وبرغبة في إثبات الذات ..لم تعد تلك الفتاة البسيطة أصبح لها اليوم شان ...ارتباطه بها صار من المستحيل لن تعود معه إلى الريف ..لن يستطيع أن يبقى معها بعيدا عن جذور الأرض الذي تشده إليها ..تألم في سره وجهره
خرج من الغرفة فإذا يمينة مستلقاة على أريكة تطالع قصة غير عابئة بمن حولها ..
لم تنم بعد ...؟
لم استطع
ما بك ..؟
لا شيء ...
تبادلا النظرات وبدا كل واحد منهما يخفي أسرارا بثقل الجبال ...كل منهما له رغبة في الحديث ...في مفاتحة الآخر ولكن ...؟
هل اعلمه بحقيقة مرضي ؟ تساءلت يمينة فيما بينها
ما هي العلاقة التي تربط يمينة بالدكتور رمزي ؟
انصهرت الكلمات ولم يعد لها معنى في ظل الصمت الذي خيم على البيت ..
ما رأيك لو اصطحبك معي غدا إلى النادي.... ؟
لا ارغب في الجلوس إلى أصدقائك
لماذا..؟
لا اشعر بالراحة معهم ..
ضحكت يمينة وعقبت
مجرد أوهام .. صدقني ..ستحبهم حد الإدمان
لا اعتقد...
سنكون لوحدنا
إذا كان الأمر كذلك ...لا باس ..
فكرت يمينة جيدا ووجدت أن الحل يمكن في الخروج مع فريد ومصارحته بحقيقة مرضها في جو من الانبساط حتى لا يصدم ..لن تستطيع أن تخفي عليه آلامها ستطلب منه أن يبقى معها أسابيع أخرى .. مهلة قصيرة يمنحها لها القدر .. لتراجع نفسها ..ربما ...جبران سيعتني بالمزرعة ويمكن أن يزوره من حين إلى آخر
البيت فسيح يمكن أن يجد راحته... لن تزعجه ولن يكون ثقيلا عليها .. بالعكس ستشعر معه بالأمان الذي افتقدته سنوات طويلة
نهض فريد وفي طريقه إلى غرفته كان باب غرفة يمينة مفتوحا ...استرق النظر الى الداخل فاذا صورة رمزي منتصبة بالقرب من سريرها ..
في أطراف المدينة وفي موقع زاد ارتفاعه عن سطح الأرض .. احتضن البحر خضرة الطبيعة تلالات الأضواء وانبعثت في الأرجاء موسيقى رائعة تهدهد النفوس المتعبة ..تزيل الهموم وتساعد على الاسترخاء ...امتد البصر إلى ما لا نهاية يستكشف الأفق البعيد ..ينتصر للماضي ..يبني غدا مشرقا ..حلقت النوارس في السماء الصافية .. فاتحة أجنحتها ..معلنة لحظة الانعتاق ..
انزوت يمينة مع ابن عمها بعيدا عن أعين الرواد...وضعت حقيبتها على الطاولة ..تشابكت أصابعها وانبرت تتحدث بطلاقة غير معهودة ..انكسرت الحواجز..
ما رأيك في هذا المكان ؟
جميل جدا .. تأتين إليه باستمرار ؟
اجل ..
مع رمزي أليس كذلك ...؟
أطرقت ثم أجابت
نعم ....هو صديق عزيز وزميل في المصحة نلتقي باستمرار
هل تحبينه ؟
ليس حبا بالمعنى المتداول ...
إذن ؟
لنقل معجبة ..لا تتصور كم هو شهم ونبيل ..وقف إلى جانبي مرات عديدة ...
تضعين صورته في غرفتك ...
صورته وصورة بقية الأصدقاء ...يؤنسونني في وحدتي .. لا تنسى أنني أعيش بمفردي في البيت
قرأت رسالتي ؟
احمر وجهها ..أسندت رأسها إلى كفيها
اجل كانت رائعة.. أسعدتني كثيرا
هل تحبينني ...؟
تلعثمت يمينة في الكلام ..لا تريد أن تجزم له بشيء الآن تريده إلى جانبها فقط ..لا تريده أن يغادر ..لا تريد أن تخسر أحدا..فريد ورمزي معا في حياتها .. ..مجرد أيام وينتهي كل شيء ..
نظرات عينيه تغمرها حبا... تملا حياتها ..تشرح قلبها برغم الحزن و الألم ..لن تطلب أكثر ..
تغيرت كثيرا ...
وأنت أيضا ....
سنتناول الغداء هنا ..ما رأيك
جميل ..
كان رمزي في مكتبه في المصحة ...أنهى حصة عمله .. يستعد للانصراف.. فتح الباب فإذا عشيقته القديمة تقف أمامه ..تنظر إليه نظرات لم يفهم سرها ..خاف ان يراه احد امسكها من يدها جذبها بقوة
لم عدت ؟
لأراك.. الست والد ابني ..؟
انتهى كل شيء بيننا ...
لا لم ينته ..
ماذا تريدين ..؟
سنتحدث هنا في بهو المصحة...؟
هيا إلى النادي... أسرعي ....يطيب للإنسان أن يحلم ..أن ينتظر ..أن ينتصر لنفسه ... أن يفتح ذراعيه ليحتضن العالم ..الإحساس بالوجود يجعل الفرد يتشبث بالحياة ...يقترب من الذات .. لا حياة بلا أمل ..
كانت يمينة تتناول ما وضعه النادل امامها ..لم تعد لها تلك الرغبة ... ..فقدت شهيتها للطعام .. تحس ببرود كبير في كل شيء ...سوى عواطفها ازدادت توقا إلى الآخر .. التهبت إلى درجة لم تعد تدري ما تفعل وما تقول ..
يجب أن أعيش أيامي ..سأبحث عن السعادة .. لن يأخذ مني اليأس سأنتصر....
داعبت الأصابع الملاعق والسكاكين بكل رقة ..
هل أعجبك الطعام ؟
لذيذ جدا ..
هل تريد المزيد ..؟
لا ...شكرا عزيزتي
لأول مرة تسمع يمينة هذه الكلمة مباشرة ...حتى في الريف لما كانا يلتقيان ...يتحدث فريد بعينيه..يعبر بحركاته لا بكلماته ..أحبها وأحبته ولكن الأيام غيرت فيهما الكثير .. الماضي يحيا في قلبيهما .. لا يموت ..
أخرجت يمينة هاتفها ..تريد أن تطمئن على رمزي ...
الو مرحبا ..أين أنت .. هل نلتقي بعد ساعة ..
كانت تريد ان تستضيفه ليشرب معهما كاس شاي... تسعى جاهدة إلى أن تقربه من فريد
اعتذر رمزي ..اعلمها انه سافر إلى مسقط رأسه ليزور أهله ..قال بأنه سيعود غدا صباحا ..وعدها باللقاء
دخلت آمال النادي وهي تسرع الخطى ..كان الدكتور يمشي وراءها خالي الذهن ..مقطب الجبين .. جلست في المدخل ..حيث الرائح والغادي ..حاول أن يغير المكان ..أن يهرب من نظرات الرواد التي ستلاحقه بلا موعد مسبق ...بلا استئذان ..لم تترك له الفرصة
أنصت إلي جيدا ... لدي كلام كثير ..
أفصحي وأوجزي .. ماذا تريدين..؟
خسرت كل ما لدي من مال ..كان مشروعا فاشلا
..وبعد ...؟
اكتري لي منزلا هنا .. ابحث لي عن عمل ..؟ في أي مكان ..
وإذا لم افعل ..
سأعلم كل أصدقائك في المصحة بقصتنا..سأحدث جيرانك ..سأقول لهم بان لك طفل ...ليس لدي ما اخسر ..فكر جيدا ..
حسنا ..حسنا .. أمهليني أياما ...سأنفذ طلباتك ..فقط لا أريد أن يعرف احد بقصتنا
وقفت يمينة ..وضعت حقيبتها على كتفها الأيسر.. سارت بخطى ثابتة إلى جانب فريد ..رفعت رأسها . . لمحت رمزي يتفحص مجموعة من الصور وضعتها مرافقته بين يديه ...
احست يمينة بوخزات فظيعة في صدرها كمن غرس خنجره في قلبها ..لم تستطع ان تنطق بكلمة .. تاهت في لحظتها ..لماذا يكذب عليها ومن تكون هذه المراة التي يجلس اليها على انفراد ..؟ لم تجد اجوبة مقنعة ..لم تجهد نفسها ..أسرعت يمينة . كادت تتعثر ..لا تدري إن كانت تخاف من المواجهة أم هي تحاول الهروب فقط من الواقع..خرجت من باب النادي دون أن تلتفت خلفها ..اقترب فريد من رمزي سلم عليه ..مد يده ليصافح آمال
مرحبا...فريد صديق رمزي
آمال قريبته
تشرفنا ..
كيف حالك ؟ بخير
اجل ..شكرا .. نلتقي مرة أخرى
إن شاء الله ...
ترددت هذه الكلمات في أذني فريد ..لم يكترث لها وانصرف يجري وراء يمينة .. أدرك أن حزنها تضاعف لرؤية رمزي يجلس على انفراد إلى فتاة أخرى غيرها ..
صامتة كانت كل الطريق لم تنطق بكلمة وكأنها تعاقب نفسها..أوقفت السيارة والتحقت بغرفتها ..أغلقت الباب بقوة ..لا ترغب في الحديث إلى احد..ارتمت على السرير واخفت وجهها بين كفيها وأطلقت دموعها لتبلل مخدتها الكبيرة ..
هكذا هي يمينة حساسة إلى ابعد الحدود .. تهب قلبها لأول من يطرق بابه..لا تعرف معنى للكره ..متحررة وتطوق إلى غيرها ممن يقاسمها أحلامها..
رن هاتفها الجوال ..نظرت إلى الشاشة .. رمزي ..يريد أن يشرح...أن يبرر ..
ألقت بالهاتف على الأرض بقوة ..صدى الارتطام بلغ مسامع فريد الذي كان يجلس في غرفة الجلوس
يمينة أنت بخير ..؟
لم ترد ..
دخل غرفته وانسجم مع نفسه وهو يردد في قرارة نفسه
يمينة ..لن تكون لغيري ..
في المصحة ..جلس رمزي في مكتبه شارد الذهن ..لا يعرف ماذا يقول ليمينة ..فكر جيدا ..توجه إلى مكتبها
صباح الخير
أدارت كرسيها بقوة..نحو النافذة ...اصطدمت نظراتها بالحائط ..
من الخلف اقترب منها ..وضع يده على كتفها.. مرر أصابعه على شعرها
تلك الفتاة قريبتي ..تعيش مشاكل مع زوجها ..كانت تستشيرني في أمر يهمها
لماذا قلت بأنك في زيارة إلى اهلك ..؟
لم اشا أن أشغلك بهموم الناس
لم تقنعها الإجابة .. رفعت رأسها ..نظرت إليه ..تبحث عن الفرصة لتصفح عنه ..قلبها لا يتحمل مزيدا من الألم..
في تلك اللحظات دوت سيارة الإسعاف في الخارج
ممرض يدفع النقالة ..فوقها طفل في العاشرة من عمره قصير القامة ..يميل جسمه إلى البدانة ..مستدير الوجه .. طويل الأهداب واسع العينين....شعره بني يميل إلى الصفرة .. خلف النقالة كانت امرأة في العقد السادس من عمرها تسير بخطى مسرعة
نصحته بعدم شراء الدراجة ..نبهته من قيادتها ..انه عنيد ...ماذا سيقول والده الموجود خارج ارض الوطن ..سيتهمني بالتقصير ..با الاهي ماذا افعل ..؟
التحق رمزي بغرفة العمليات ومعه يمينة ..
الطفل يشكو من إصابة خطيرة على مستوى العمود الفقري
إن نجحنا في إنقاذ حياته سيعيش مقعدا ..على كرسي متحرك
لا يزال صغيرا ..بدت على السيدة الواقفة أمام باب غرفة العمليات مظاهر الترف و الثراء.. في أصابعها خواتم ثمينة ..وفي معصم يدها اليسرى أساور ذهبية مرصعة بالألماس .. من رقبتها تدلت سلسلة صفراء ذات فصوص خضراء وحمراء تسحر أعين الناظر إليها ..كانت أنيقة في لبستها في مشيتها... انتبه إليها الدكتور رمزي وهو يخرج من الغرفة..قادها إلى مكتبه
كيف حاله يا دكتور ؟
اطمئني هو بخير الآن
اطرق الدكتور رمزي قليلا ثم أردف
تعرض إلى إصابة خطيرة على مستوى الظهر ..فعلنا كل ما في وسعنا حتى يعيش ..الحمد لله على كل حال... ستتعب والدته قليلا في البداية ...سيقلق هو أيضا..ولكن سيتعود بعد ذلك ....
ماذا تقول دكتور .. ؟
لن اخفي عليك الحقيقة..الطفل لن يمشي من جديد ..
تأثرت السيدة تأثرا شديدا غير أنها لم تذرف دمعة واحدة.. بدت قوية إلى درجة جعلت الدكتور يسألها
أنت قريبته ؟
لا ..أنا أمه ..
معذرة .. هل لديك أبناء غيره ؟
ردت :
هو ابني الوحيد ..اسمه وليد يدرس في السنة الخامسة ..في الحقيقة لم ارزق بمولود وقد تبنيته منذ عشر سنوات من سيدة شابة كانت تعيش في هذه المدينة ..
ارتبك رمزي وتذكر الحديث الذي دار بينه وبين عشيقته في النادي ..لم يتمالك نقسه وسال متلهفا :
هل تذكرين اسمها ؟
فكرت قليلا ثم أجابت :
آمال... إن لم تخني الذاكرة ..
كانت إجابتها كالرصاصة التي يطلقها الجندي صوب عدوه.. أصابته في كبريائه ..في رجولته .. ألقى بالقلم الذي كان بين يديه ..وقف قبالة النافذة سحب ربطة عنقه بقوة ..أحس بالاختناق ..
با الاهي ماذا يحصل معي ..الطفل الذي كان بين يدي منذ قليل هو ابني .. لا اصدق ..
داعبت أصابعه أزرار قميصه وعادت به الذكريات إلى أيام خلت.. كان حينها شابا مقبلا على الحياة..لا يتحكم في نزواته وكان من ثمار هذه النزوات مولود تيتم بالحياة..لم يره كثيرا .. تسلمته السيدة بعد أيام من ولادته وها هو القدر يعيده إليه في لحظات صعبة كتلك اللحظات التي قرر فيها الانفصال عنه مدى الحياة..لم يكن قادرا على الاختيار ..
دخلت يمينة عليهما ..سلمت على السيدة وطلبت من رمزي أن يرافقها إلى بيتها ليتناول طعام الغداء مع ابن عمها
خرج فريد من البيت ...جلس في مقهى الأحباب الذي أصبح يرتاده من حين إلى آخر..فجأة أبصر السيدة آمال تمر من أمامه ..كان تتبختر و قد تدلت من كتفها حقيبة صغيرة..ترك كرسيه والتحق بها
مرحبا ..هل تذكرتني ؟
اجل ..فريد صديق الدكتور رمزي ...
إلى أين أنت ذاهبة.. ؟
ابحث عن منزل للكراء في هذه الأحياء الراقية
آه ..حسنا .. اعرف من يقدر على مساعدتك ...
وقفت آمال أمام بيت يمينة فيما دخل فريد يجري ليستنجد بمريم ..في تلك الأثناء وصل الدكتور رمزي ...أبصر رمزي أمال..انقبض صدره وتسارعت دقات قلبه .. مكث في السيارة .. اخرج صحيفة وأخفى وجهه حتى لا تراه .. تحدثت مريم إلى السيدة وضربت معها موعدا للالتقاء غدا في نفس المكان قبل أن تنصرف ..
تنفس رمزي الصعداء ودخل الى البيت لا يلوي على شيء ...التحقت به يمينة وجلس جميعهم إلى المائدة
إلى اللقاء ..أترككم في أمان الله
إلى أين يا مريم ؟ خاطبتها يمينة ..
سأزور جابر في السجن مضى وقت طويل لم أره
حسنا ..إلى اللقاء
تحلى فريد بشهامة أهل الريف.. أشفق على مريم وأبنائها .. تنازل عن تتبع جابر في محاولة القتل ..لكن ذلك لم يحل دون بقائه في السجن من اجل الحق العام و استهلاك وترويج المخدرات
كان جابر يقيم في ظروف سيئة ..زنزانة مكتظة بالمساجين..روائح كريهة .. تحركات مشبوهة..تصرفات تبعث على الحيرة ...علامات استفهام كبيرة كانت تجول بخاطره في كل مرة يستدرج فيها الحارس شابين في مقتبل العمر .. يقضي معهما شطرا من الليل ثم يعود يهما..
مرحبا يا جابر ..كيف حالك
كما ترين ..هم وغم و قلق يزداد كل يوم.. دعيك مني ..كيف حالك وحال الأولاد .. ؟
جميعنا بخير ..
أنصتي إلي جيدا ...
ماذا هناك ؟
أريدك أن تتصلي بصاحب مقهى الأحباب ..بلغيه سلامي وسلام محمود قولي له بان يبعث لنا الأمانة ..معك أنت .. هل فهمت ؟
أي أمانة ؟
أمر لا يهمك .. نفذي ما طلبته منك بالحرف الواحد ... ضعي الأمانة داخل الخبز...لفيه جيدا .
غادرت مريم السجن كئيبة حزينة ..يبدو أن جابر لن يثوب إلى رشده ..لن يعود إلى أبنائه ..
عادت يمينة من المصحة مرهقة.. قضت وقتا طويلا مع الطفل وليد ..تحدثت اليه .. عرض عليها صداقته ..لم ترفض بل وافقت دون تفكير .. داخل المنزل جلس فريد في غرفته يفكر في المزرعة ..في والديه .. تشتت تفكيره ..رن جرس البيت اسرع فريد يفتحه فمريم قصدت المقهى لقضاء شان ما لم تفصح عنه ..
مرحبا أمال تفضلي ....
شكرا.. جئت لأرى مريم ..
خرجت و ستعود بعد حين ..
أطلت يمينة من النافذة ..لمحت السيدة
أليست هذه التي كانت تجلس إلى رمزي في النادي..؟ هي بعينها .. قال إنها قريبته ..
خرجت إليها مسرعة ..أدخلتها قاعة الجلوس وتوجهت إلى المطبخ لتعد كؤوسا من الشاي
كان فريد في غرفته ممددا على فراشه فجأة رن هاتفه الجوال
انه جبران
اهلا مرحبا ..
فريد ..يجب ان تعود حالا ...بلغت سيارة الأجرة سفح جبل كبير امتدت أطرافه إلى ما لا نهاية .عانقت السهول الهضاب والتحفت السماء أديم الأرض .. امتزجت ألوان الطبيعة ..أضفت على المكان شيئا من السحر..مضى وقت طويل على فريد لم يبصر فيه خضرة النبات ..لم يستنشق فيه عبير الورد ولا نسيم الحرية ..استعاد قليلا من نفسه التائهة ..اشتاق إلى كل من في الريف الأهل والأصحاب والجيران ..حتى الشياه والطيور كان لها هوى في نفسه ..ترجل متثاقلا يحمل بيمناه حقيبته السوداء..
السماء مغيمة ..والجو بارد والرياح تلفح وجهه ...كان الفصل خريفا ...المكان خال من المارة ..صوت البوم فقط كان يقطع جدار الصمت المطبق على الأرجاء الفسيحة والبوم في ذلك الريف الشمالي نذير شؤم على الأهالي ..اقترب من حوشهم الكبير لمح من بعيد جموعا من النسوة يجلسن القرفصاء ..يسندن ظهورهن إلى حائط قصير .. أسرع الخطى يستطلع الأمر ..لم يعد يقو على الانتظار ..
احتضنته والدته قبلت راسه ويديه وقالت وهي تبكي
والدك يا بني .. يحتضر ..
عمه وبعض الرجال من الأصدقاء والأقارب تحلقوا بفراش الحاج صالح .. كان ممددا على ظهره وقد غطى لحافه الأبيض جزءا كبيرا من رأسه ..عيناه مغمضتان .. شفتاه تنطقان يصوت متقطع . فر..يد
منذ البارحة وهو يهذي ..لم يناد أحدا .. اسمك فقط كان يتردد على لسانه
قال جبران هذا الكلام قبل ان يضيف : " مضت أيام وهو في شبه غيبوبة.. لا يأكل ولا يشرب..زاره الطبيب ..وصف له بعض الأدوية لكن دون جدوى .."
جلس فريد بجانب والده وضع يده الخشنة بين كفيه ..ضغط عليها ..أزاح كفا ومسح به على جبينه المجعد .رفع لحافه فظهر من تحته شعر كثيف غزاه الشيب ..قبله من جبينه وقال
أبي هل تسمعني ؟
لا حياة لمن تنادي ..
كرر ثانية
أنا فريد ..جئت لأنقلك إلى المستشفى ..هيا انهض ..
وفي لحظات استعاد فريد شريط الذكريات .. ذكريات طفولته الجميلة ..يوم كان والده يسهر على تعليمه وعلى تلقينه أصول الفلاحة .. أغدق عليه من الحنان ما يكفي ليجعل منه رجلا يعتز به بين الأقارب ..يا الله كم هي سخيفة هذه الحياة ..
فتح الحاج صالح عينا واحدة تمتم بكلمات غير مفهومة رفع يده اليمنى ثم انقطعت أنفاسه واسلم الروح
بكى فريد كما لم يبك في حياته من قبل وبلغ صدى بكائه سمع والدته التي كانت بين جموع النسوة ..دوى صراخها وعويلها يسري في أنحاء الريف ينثر الخبر ..أطبقت السماء بلونها الرمادي وانهمرت الأمطار تسقي الأرض .. تذرف دموعا غزيرة على رحيل فارس طالما كان يزهو ويسعد بنزولها...انبثق فجر يوم جديد وكانت المياه قد جرفت التربة الندية لتستقر في أسفل المنحدرات..التحقت يمينة وأصدقاؤها رمزي والصادق ومريم بالعائلة .قدموا تعازيهم إلى فريد ..شدوا أزره ..رفعوا من معنوياته ..مضت أيام حزينة كئيبة في الريف عادت على إثرها يمينة إلى المدينة ..افتقدت ابن عمها ..لقد ملا عليها البيت وصار جزءا من حياتها اليومية ...غالبت وحدتها.. صارت تقضي معظم أوقاتها في النادي تعزف أحيانا وتداعب ريشتها لترسم ما يخطر على بالها أحيانا أخرى ... تمارس بعض هواياتها القديمة
أجرت فحوصات عديدة ..تأكدت من إصابتها بمرض السرطان ... كان شك الدكتور رمزي في محله ..تمكن منها المرض ..التزمت بالمواعيد ..خضعت إلى العلاج وكانت في كل مرة تتسلح بالإيمان لتتغلب على آلامها..لتقهر أحزانها ..لتنطلق من جديد بروح تفيض حبا للحياة ..
طلقت سهرات اللهو وأقبلت على الصلاة تؤديها في أوقاتها ..امتلأ قلبها إيمانا وأدركت أن لا مفر من ملاقاة خالقها في ما تبقى لها من عمر قصير ولم تجد أفضل من ملاقاته وهي مؤمنة ملتزمة راضية بما كتبه لها ..
سلم صاحب المقهى مريم الأمانة ..مجموعة من الأقراص المخدرة ..لفها جيدا في كيس صغير ..أفرغت مريم الخبز من لبابه ووضعت داخله الكيس ثم أعادته إلى ما كان عليه ..جهزت طعاما شهيا ..ملأت قفتها كالعادة واصطحبت أبناءها ..قصدت السجن وهي تضع يدها على قلبها خوفا من افتضاح أمرها.
اتصل الدكتور رمزي بصديقته ليلى وعرض عليها أن تشغل أمال التي تسوغ لها منزلا غير بعيد عن المسكن الذي يقطنه.. أقبلت أمال على العمل .. تستقبل الحرفاء ...تسدي لهم خدمات متنوعة .. وذات يوم وبينما كانت تستعد للمغادرة لمحت سيدة أنيقة تدخل المحل وهي تدفع كرسيا متحركا استوى عليه طفل يافع..دققت فيها النظر ..أيقنت أن التي تقف أمامها هي المراة التي اتصلت بها منذ عشر سنوات لتسلمها فلذة كبدها..لم تقدر على كبح جماح عواطفها و سقطت على الأرض مغشيا عليها ...استعادت أمال وعيها ..فتحت عينيها بعد إغماءة قصيرة ..كانت المفاجأة ثقيلة ثقل الجبال العاتية .. ابنها وليد الذي فرطت فيه يدخل عليها مقعدا.. تحركت في داخلها مشاعر الأمومة وانسابت دموعها الحارقة على خديها تترك أثرا طفيفا..... أشاحت بوجهها عن وليد حتى لا يراها تبكي ..لا تريده أن يسال من تكون ..؟ لم أغمي عليها ؟ لم تبكي ؟ بادرتها السيدة
هل أنت بخير ؟
نعم سيدتي
ما بك ؟
مجرد صداع ينتابني من وقت إلى آخر..
هل تريدين المساعدة ؟
شكرا ..
سكتت أمال برهة وتذكرت رمزي
ترى ماذا سيصنع لو علم بأمر ابنه...؟
نفضت أمال فستانها...استوت على الكرسي ثم سالت
ما به هذا الصبي ؟
لقد تعرض إلى حادث خطير اصطدمت دراجته النارية الكبيرة بجدار في الحي ..أصيب بكسر في ظهره .. أجرى له الدكتور رمزي عملية جراحية في المصحة ونصحني بالمجيء إلى هنا ..
قد تساعده حصص التمسيد على استعادة عافيته ولو أن ذلك يبقى أمرا صعبا جدا ..قالت ذلك بصوت خافت حتى لا ينتبه إليها وليد الذي بقي يتأمل لوحات جميلة مثبتة على جدران قاعة الحلاقة
ضحكت أمال من سخرية القدر.. رمزي يجري عملية جراحية لابنه بعد غياب دام سنوات .. وهي ستسهر على متابعة حالته الصحية ..انتصبت واقفة ..اقتربت من وليد انحنت عليه ..قبلته من جبينه .. حاولت أن تضمه إلى صدرها ..أن تروي فضولها ..أن تصالح نفسها ..أن تعيش لحظات من المتعة الحقيقية .. الكرسي المتحرك اغتصب فرحتها ..وقف حاجزا دونهما .. جلست القرفصاء وضعت يدها على فخذ الطفل ..وقالت بحنو :
ما رأيك لو تزورني في بيتي ..أقوم بتمسيدك هناك .. سيكون الحال أفضل بعيدا عن أعين وهرج الحرفاء ؟
اوما الطفل برأسه ..أعلن الموافقة وقد أحس بالارتياح إلى هذه المرأة الغريبة ...
وصلت مريم إلى السجن مصحوبة بأبنائها ..كانت مضطربة ..غير مستقرة على حال ..دارت بذهنها أفكار شتى .. ماذا لو يفتضح أمرها ..؟ لو يتفطن احد الحراس إلى ما يوجد في قفة زوجها جابر ؟ ما مصير أبنائها ؟ ..
عاشت مريم الخصاصة والحرمان ..في أسرة وفيرة العدد ..تعرفت إلى جابر ووافقت على الارتباط به دون تفكير بمجرد أن خطبها ..كانت رغبتها في مغادرة منزل أهلها و الانطلاق في بناء حياة جديدة اكبر من رغبتها في التفكير في مصيرها ..في مستقبلها ..
تقدمت مريم بخطوات ثابتة نحو احد الحراس ..انحت عليه بقامتها الفارعة ..قالت له كلاما كثيرا .. ثم انصرفت لتقابل جابر ..كان على أحر من الجمر لاستلام الأمانة ..اهتم بالقفة وما بداخلها ..لم يهتم بأبنائه اكتفى بتقبيلهم ..فتور وبرود من الجانبين ..
انتهى موعد الزيارة عادت مريم إلى بيتها .. غاب الزوار عن الأنظار ..هدأت الحركة في الداخل والخارج .. في باب الزنزانة وقف مدير السجن ومعه مجموعة من الأعوان وقد تهيؤوا لأمر ما ...اشرأبت أعناق المساجين تستطلع الأمر ..وقفوا مبهوتين .. مضى وقت طويل على مثل هذه التحركات المفاجئة داخل الزنزانة . تسمروا في أماكنهم.. لم يبرحوها .عبثت الأيادي بالقفاف والأواني .. طرحت كل شيء على الأرض ..صفعت بعض الوجوه المكفهرة .. وقف احد الحراس أمام جابر جذب القفة من أمامه بقوة.. أفرغها ..سقطت لفافة من قطعة الخبز..التقطها الحارس ..مزقها ..تفحصها جيدا ..
ما هذا ؟
لا ادري ..لا اعلم شيئا ..
تعالى ..
خرج الحارس من الزنزانة ومعه جابر .. في مكتب المدير وقف مطأطئ الرأس ..حاول إنكار التهمة المنسوبة إليه .. إدخال أقراص مخدرة خلسة إلى السجن بنية الاستهلاك والمتاجرة .. أنكر علمه بوجود المحجوز داخل القفة .. اتهم زوجته .. قال بأنها تريد أن تورطه لتتخلص منه والى الأبد .. ذهبت كلماته أدراج الرياح.. لا يحتاج إثبات التهمة عليه حججا وبراهين .
في البيت جلست يمينة على أريكة شاردة الذهن .. أشعلت سيجارة ..أخذت نفسا عميقا ..نفثت دخانها في الفضاء.. لقد تغيرت كثيرا في المدة الأخيرة ..بدا على وجهها الشحوب .. رفضت أن تعود إلى سهرات المجون.. أصبحت تمضي وقتا قصيرا في العمل في المصحة مقابل وقت طويل تمضيه في النادي.. تعبر بالريشة والألوان عن هواجسها المخيفة .. كل رسوماتها تحمل في طياتها حزنا عميقا ..
غير بعيد عن منزل يمينة استقرت أمال ..كان الطقس باردا .. السحب تراكمت في السماء لتضفي على الكون ظلمة مستحبة .. قطرات المطر تقرع بلور النافذة..تعزف لحنا جميلا يطرب الأذن.. من حين إلى آخر تقف أمال بجوار النافذة.. تستطلع الأفق البعيد كمن يبحث عن بصيص أمل يعيده إلى الماضي..يشده إلى الحاضر ..كانت كمن ينتظر قدوم شخص ما ..من يكون غير وليد يمكن أن يملا عليها حياتها..يحتاجها أكثر من أي وقت مضى.. فرصة بالنسبة إليها لتكفر عن ذنوبها .. لتقدم له بعضا من حنانها الذي افتقده في فترة حرجة من عمره.. قد تساعده على تقبل الواقع .. على مجابهة المرض ...على قهر الإعاقة...
هطل المطر ..نظفت السيول معظم الطرقات.. تناثرت برك المياه ..عبثت بها عجلات السيارات المسرعة ..الأحياء مقفرة ..بعض المترجلين فقط يحثون الخطى نحو منازلهم وقد تبللت ثيابهم ..
كانت يمينة تطالع قصة لما رن هاتفها الجوال فجأة .. فريد على الخط ..
الو .. يمينة... كيف حالك ؟
بخير والحمد لله ..ما هي أخباركم ؟
أمي ليست على ما يرام .. اثر فيها موت أبي كثيرا..لم تعد صالحة التي تعرفينها ..
لم لا تأت بها إلى المدينة . ؟ .لتغير الأجواء قليلا ...
هذا ما أفكر فيه ..يمينة .. اسمعي سأبيع الضيعة..سأستقر في المدينة ..سأقيم مشروعا صغيرا .. ابحثي لي عن بيت في الحي الذي تقطنين..
تفاجات يمينة بالقرار الذي اتخذه فريد .. كيف له أن يستغني عن التربة التي عاشرها سنوات طويلة.. كيف له أن ينسى أحلامه..؟ كيف له أن يفرط في ارض أبيه وأجداده..؟ كيف ينفصل عن ذاته ..؟ استغربت يمينة ولكنها في نفس الوقت شعرت بالفرح والسعادة ..سيكون ابن عمها إلى جانبها في ما تبقى من عمرها ..سيملأ عليها حياتها ..سيغدق عليها فيض حنانه..تحتاجه كثيرا ..مضت أيام قليلة استقر على إثرها فريد وأمه في المدينة.. في الحي الذي تسكنه يمينة ..بيت فسيح تحيط به حديقة توجد بها أشجار البرتقال ونباتات الزينة .. جلس فريد إلى ابنة عمه .. تدارس معها وضعه ..تناقشا حول المشروع الذي يمكن أن ينجزه .. يساعده على تحقيق أهدافه ..يعوضه الأرض التي فرط فيها على عجل.. دون تفكير ولا انتظار..
نصحته أن يستثمر أمواله في إحداث مطعم فاخر في أطراف المدينة..تردد .. عبر عن رغبته في إقامة مشروع آخر .. مدرسة خاصة.. كان يحلم أن يشتغل بقطاع التعليم بعد حصوله على شهادة البكالوريا لكن والده أصر على أن يبقى في الريف يرعى أرضه ..يريد أن يعوض هذا الحرمان .. عمه المعلم المتقاعد سيعتني بكل شيء له من الخبرة ما يجعله ينجح في مهمته ..سيعرض عليه الأمر..لن يرفض ..
وجدت يمينة فكرة إحداث المدرسة أمرا جيدا ..ستستقدم عائلتها للإقامة معها في منزلها ..فرصة لم الشمل سانحة أمامها ..تحتاج كل العائلة في أيامها الأخيرة .. جبران قد يبقى لوحده في الريف ..لم تشأ أن تشغل بالها ببقية التفاصيل ..شجعت ابن عمها على الانطلاق في إعداد الوثائق اللازمة..وعدته بالاتصال بصديقها الصادق ليسهل له مهمة الحصول على الرخصة..
توقفت سيارة كبيرة أمام منزل أمال.. نزلت منها سيدة أنيقة ..ترجلت ..فتحت الباب الخلفي ..بقيت تنتظر مرور شخص ما ليساعدها على إنزال وليد الجالس على كرسيه المتحرك.. شعرت بالحرج تماما كما الطفل ..
سلمت السيدة ابنها في يد أمال ..طلبت منها أن تعتني به جيدا .. ما زال لم يتعود على وضعه الجديد .. وقفت أمال.. أرادت أن تنقل الصبي إلى السرير الذي وضعته له خصيصا في قاعة الجلوس.. حاولت لكنها لم تستطع ..كان ثقيلا.. وكانت تشكو من ألام في ظهرها .. خجلت .. احمر وجهها .. كررت المحاولة لكنها فشلت .. سقطت على الأرض وسقط فوقها.. بكت طويلا وبكى معها ..
تحدث وليد إلى أمال كما لم يتحدث من قبل.. بثها أحزانه وهمومه الكبيرة ..اخبرها بان حياته انقلبت رأسا على عقب بعد الحادث.. أصدقاؤه يسخرون منه ..يرفضون مساعدته ..كره الدراسة .. أصبح يفضل البقاء في المنزل على الذهاب إلى المدرسة ..صار وبرغم صغر سنه يفكر في وضع حد لحياته.. يرى في نظرات الناس سهاما تمزق جسمه..عجزه بات عقدة ..حتى أمه تغير مزاجها ..أصبحت سريعة الغضب ..كثيرة الصياح في وجهه ..حياته صارت جحيما ..
ربتت أمال على كتفه..طبعت على خده قبلة كبيرة ..قالت له كلاما جميلا .. رفعت له من معنوياته .. شحذت عزيمته .. رسمت له طريقا مفروشا بالورود .. وعدته بالمساعدة وبالوقوف إلى جانبه.. فتحت له باب الأمل ..
وقف الدكتور رمزي على عتبة المنزل .. يريد أن يسلم أمال مبلغا من المال .. تتدبر به أمرها.. هكذا اتفقا منذ أول لقاء جمعهما في النادي ..


" https://www.facebook.com/mehdi.khlifa.1?fref=nf&pnref=story

مساعدتكم مهمة يمكنك المساهمة في استمرارية هذا الموقع بالتبرع له من هنا